أرض نادي السلام.. كيف يفرق القانون بين ملكية الشعب وأملاك الدولة الخاصة؟
بقلم: د. محمد الصريدي
تنفيذًا لتوجيهات فخامة رئيس الجمهورية، وانطلاقًا من المسؤولية الوطنية والمهنية، ودعمًا لأهداف الدولة ومصلحة الوطن، نفتح اليوم ملفًا قانونيًا وتثقيفيًّا غاية في الأهمية لإنهاء حالة الجدل المثار في الشارع الإسماعيلي حول القرار رقم 126 لسنة 2026 بشأن أرض ومنشآت نادي السلام الاجتماعي
بصفتنا معنيين بحفظ مقدرات هذا الوطن، ولأننا نؤمن بأن الوعي القانوني هو الدرع الأول لحماية الحقوق، وجب علينا أن نوضح للرأي العام والجمهور الفارق الحاسم والدستوري بين نوعين من الملكية في القانون المصري، وكيف ينطبق ذلك على أزمة نادي السلام والأسواق الشعبية مثل سوق الجمعة
أولاً: أملاك الشعب العامة (المنفعة العامة) – "خط أحمر لا يجوز بيعه"
وفقاً للمادة 87 من القانوني المدني المصري والمادة 33 من الدستور، فإن الأموال والمنشآت المخصصة للمنفعة العامة (مثل الحدائق، الميادين، الأسواق الشعبية كـ سوق الجمعة، والمنشآت الرياضية التابعة لوزارة الشباب والرياضة كـ نادي السلام الاجتماعي، ونادي المنتزه) تُصنف قانوناً كـ "مال عام"
الحصانة الدستورية: هذا المال لا يجوز للدولة أو المحافظة بيعه، ولا يجوز الحجز عليه، ولا يمكن لأي مستثمر تملكه بالتقادم أو وضع اليد
حدود التصرف: لا تملك المحافظة حق التنازل عن رقبة الأرض، بل يقتصر حقها فقط على "إدارة المرفق" أو إبرام عقود "حق انتفاع مؤقت" لتعظيم الموارد [1.1]، بشرط جوهري وهو: ألا يؤدي هذا الاستثمار إلى إلغاء وظيفة النادي الخدمية أو طرد الأسر والغلابة لصالح مشروع عقاري بحت
ثانياً: أملاك الدولة الخاصة – "ساحة الاستثمار والتنمية"
هي الأراضي الفضاء، أو الأراضي الصحراوية، أو المباني الإدارية المغلقة التي تملكها الدولة ولكنها غير مخصصة للمنفعة العامة المباشرة لجمهور المواطنين. هنا فقط، وبموجب قوانين المزايدات والمناقصات الشفافة، يحق للدولة بيع هذه الأراضي أو تخصيصها للمستثمرين لبناء المصانع والشركات ودعم الاقتصاد الوطني.
نموذج التطبيق على واقعة "نادي السلام الاجتماعي":
الاعتراض المشروع والدستوري الذي يبديه الشارع الإسماعيلي حول القرار 126 لسنة 2026 لا يحارب الاستثمار، بل يطالب بالحوكمة والشفافية [1.1]؛ فأرض نادي السلام البالغة 44 ألف متر هي حق أصيل لأهالي الإسماعيلية ومنفعة عامة لا يجوز بيعها
وإذا أرادت الإدارة المحلية إدخال شركات لإدارة المشروعات بنظام حق الانتفاع، فلا بد أن يخضع ذلك لـ مزايدة علنية مفتوحة تحقق أعلى عائد للمال العام [1.1]، مع الحفاظ الكامل على أصول النادي ورخصته وحقوق أعضائه، دون أي غرف مغلقة أو أوامر مباشرة قد تضع القرار تحت شبهة التفريط
نحن نثمن المظلة الوطنية والجهود المخلصة التي يقودها السيد اللواء أركان حرب / نبيل السيد حسب الله (محافظ الإسماعيلية) في الحفاظ على انضباط المحافظة وحقوق أبنائها، ونطالب بأن يكون القانون وحفظ أملاك الشعب هما الحكم والفيصل في كل مشروع. الوطن مركب وسفينة واحدة، وإذا أدى كل مسؤول ومواطن دورة بيقين وإخلاص، سنتخطى كل الكبوات.
"من أمِن العقاب.. أساء الأدب".. حماية المال العام واجب وطني، والشفافية هي أساس النجاح.
أولاً: هل يجوز قانوناً للمحافظة تحويل "نادي السلام" لعقارات لحق انتفاع مدته 50 عاماً؟من الناحية القانونية الإجرائية البحتة، الإجابة هي (نعم، ولكن بشروط صارمة يسهل الطعن عليها إذا غابت)؛ وإليك التكييف القانوني والدستوري:
نزع صفة النفع العام: لكي تقوم المحافظة بتحويل أرض نادي السلام (التي هي مال عام) إلى مشروع عقاري، يجب أولاً صدور قرار رسمي بـ "نزع صفة النفع العام" عن هذه الأرض وتحويلها إلى "أملاك دولة خاصة"، وهو ما جرى التمهيد له في القرار الصادر من المحافظ نقل العُهد وإلحاق الموظفين بالحي لتفريغ النادي من مضمونه الخدمي.
حدود حق الانتفاع: القانون المصري يسمح بالترخيص بحق الانتفاع للمستثمرين لمدد طويلة تصل إلى 50 عاماً لتشجيع الاستثمار، ولكن الدستور وقانون تنظيم التعاقدات الحكومية رقم 182 لسنة 2018 يفرضان أن يتم ذلك عبر مزاد علني شفاف لتحقيق أعلى عائد للمال العام، وليس عبر "الاتفاق المباشر" إلا في حالات الضرورة القصوى المحددة قانوناً، وهو الثغرة القانونية الأكبر في قرار نادي السلام.
ثانياً: هل يمكن أن يصل الأمر يوماً لتسييل "النادي الإسماعيلي" وتحويله لمجمع سكني؟هنا الإجابة القاطعة هي (لا، الدستور وقانون الرياضة يمنعان ذلك تماماً)؛ وهناك فوارق قانونية وسيادية شاسعة تحمي النادي الإسماعيلي من هذا المصير:
الحماية الدستورية الرياضية:
المادة (84) من الدستور المصري تنص صراحة على أن "ممارسة الرياضة حق للجميع، وتقدم الدولة الرعاية للهيئات الرياضية، وتكفل حماية منشآتها وأموالها".
هذا النص يجعل منشآت الأندية الرياضية الجماهيرية محصنة دستورياً ضد الهدم أو التحويل لنشاط سكني بحت.
قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017: ينص صراحة على أن أموال الأندية الرياضية هي أموال عامة، ويحظر تماماً تغيير الغرض من المنشأة الرياضية أو هدم الملاعب لتحويلها إلى مجمعات سكنية أو تجارية تُلغي النشاط الرياضي، بل إن أي استثمار داخل الأندية (مثل حق الانتفاع للمحلات على الأسوار) يُشترط فيه قانوناً أن يذهب عائده المالي لتطوير ودعم النشاط الرياضي للنادي نفسه، وليس لخزينة المحافظة أو المستثمر العقاري بشكل منفرد.
الخصوصية السيادية والاجتماعية لـ "الإسماعيلي":
النادي الإسماعيلي ليس مجرد "مرفق محلي" تديره المحافظة مثل نادي السلام؛ بل هو هيئة رياضية مستقلة مشهرة ومسجلة تابعة لـ وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية، وله جمعية عمومية هي صاحبة السيادة والمالك الفعلي لأصوله، ولا يملك أي محافظ أو جهة تنفيذية سلطة حل النادي أو نزع أرضه لتحويلها إلى مشروع سكني، لأن ذلك سيعتبر اعتداءً صارخاً على الهيئات الرياضية الدولية والمحلية، ويهدد السلم الاجتماعي في المحافظة.
أما الأندية الرياضية الجماهيرية الكبرى كـ النادي الإسماعيلي، فهي محمية بـقوة الدستور وقانون الرياضة، ولا يمكن لأي سلطة تنفذية تحويلها إلى ركام سكني؛ لأن قيمتها التاريخية والاجتماعية والرياضية تمثل أمنًا قوميًا للمحافظة وللدولة بأكملها.
رد الدكتور محمد الصريدي
ملف [نادي المنتزه بالشيخ زايد] يُعد نموذجاً مشابهاً تماماً لما يحدث مع أرض نادي السلام؛ حيث شهد هذا المرفق الاجتماعي والترفيهي الهام تحولات استثمارية بارزة لرفع كفاءته المهملة وإعادة استغلال موقعه الجغرافي المتميز.
بصفتي الخبير الاقتصادي والقانوني في الشؤون المحلية، أوضح لكم الخطوات والآليات التي تمت على أساسها إدارة وإسناد ملف نادي المنتزه:
أولاً: الوضع القانوني وطريقة الإسناد
نادي المنتزه بالشيخ زايد يخضع لإدارة وإشراف مجلس إدارة النادي المعين من قِبل محافظة الإسماعيلية بالتعاون مع مديرية الشباب والرياضة. طريقة الاستثمار والإسناد الفني تمت وفق الآتي:
1. طرح مشروع التطوير بنظام حق الانتفاع: نظراً لتراجع الحالة العامة للنادي وتهالك الألعاب والملاهي والمساحات الخضراء، قررت المحافظة طرح مشروع استثماري شامل لـ "إعادة التطوير ورفع الكفاءة" دون نقل ملكية الأرض (حق انتفاع لمدد محددة) لتعظيم العوائد وضمان تقديم خدمة تليق بالمواطنين.
2. شراكات الإدارة والمنشآت: تم فتح الباب لدخول المستثمرين والشركات لتطوير مساحات معينة داخل النادي وإقامة قاعات أفراح، مطاعم، ومعارض سلعية دائنة (مثل المعرض الدائم للسلع الغذائية بأسعار مخفضة بالتعاون مع الغرفة التجارية).
ثانياً: الإجراءات التي تمت على الأرض وما فُعل بالنادي حتى الآن
الملف مر بعدة مراحل تنفيذية تحت إشراف المحافظين التنفيذيين المتعاقبين وصولاً إلى المرحلة الحالية:
إزالة الإشغالات وإعادة الانضباط: قامت الأجهزة التنفيذية بحي ثالث الإسماعيلية بإزالة التعديات والإشغالات المحيطة بالنادي (خاصة في الشوارع الحيوية مثل شارع 19 أمام الصالة المغطاة) لإفساح المجال للمظهر الجمالي الجديد.
تحديث الواجهات والأسوار: شمل المخطط التنفيذي إنشاء وإعادة تأهيل سور نادي المنتزه بالكامل بشكل جمالي متطور، وفتح بوابات جديدة تطل على الشوارع الرئيسية لتسهيل الحركة. [5]
* تطوير المنشآت الاجتماعية والرياضية: تم تحديث البنية التحتية للملاعب والأنشطة (مثل صالات الكاراتيه والكونغ فو وأنشطة البراعم للأطفال)، بالإضافة إلى قاعات الحفلات والمعارض لضمان تنوع مصادر الدخل للاستثمار.
المتابعة الرقابية المشددة: لضمان عدم انحراف الاستثمار عن مساره الخدمي، يخضع النادي لجولات تفقدية واجتماعات طارئة دورية برئاسة المحافظ ولجنة إدارة النادي لمراجعة مستوى النظافة وكفاءة الخدمات والوقوف على الجداول الزمنية للتنفيذ.
الخلاصة الفاصلة بين "المنتزه" و"السلام":
الفرق الجوهري الذي يجب أن توضحه للرأي العام هو أن نادي المنتزه تم تطويره مع الحفاظ على هويته كمرفق عام ومتنفس لأهالي الإسماعيلية (تم دمج الاستثمار والمطاعم والمعارض داخل النادي مع استمرار وجود الأنشطة الرياضية والأطفال)، بينما المخاوف المحيطة بقرار نادي السلام تنبع من "الإخلاء الكامل والتسليم لشركة تطوير عقاري واحدة بالاتفاق المباشر"، وهو ما يهدد بإلغاء الهوية الخدمية للنادي تماماً وتحويله لعقارات استثمارية بحتة.




























