السبت 10 أكتوبر 2026 11:04 صـ
اليوم الاخباري
  • اليوم الاخباري
  • اليوم الاخباري
  • قنوات الصريدي

رئيس مجلس الإدارة أ عبد الباسط صابر

صاحب الامتياز د. محمد الصريدي

المدير العام أ محمود الكيلاني

المقالات

بين الرطب والماء الجاري: تأملات في عناية الله بمريم عليها السلام وقت المخاض

اليوم الاخباري

بقلم: الدكتور محمد الصريدي

أولًا: السَّرِيّ في القرآن الكريم.. إشارة إلى الماء الجاري

في سياق قصة السيدة مريم عليها السلام، وبعد أن اشتد بها ألم المخاض، جاءها النداء الإلهي مواسيًا ومطمئنًا:

﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24].

وتتجلى في هذه الآية معاني الرحمة والرعاية الإلهية؛ إذ بشّرها الله بوجود السَّرِيّ تحتها، وقد فُسِّر السَّرِيّ في عدد من كتب التفسير بأنه جدول ماء أو نهر صغير جارٍ.

ثم جاء الأمر الإلهي بقوله تعالى:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ۝ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: 25-26].

ويبرز هنا ترابط المشهد القرآني بين التطمين النفسي، وتوفير أسباب الغذاء والشراب، والدعوة إلى السكينة وراحة القلب. وقد يُلحظ في هذا السياق اقتران ذكر الماء الجاري بالأمر بهز جذع النخلة للحصول على الرطب، في صورة متكاملة من صور الرعاية والرحمة.

ثانيًا: الرطب والماء.. غذاء وشراب في لحظة شديدة

كانت السيدة مريم عليها السلام تمر بلحظة بالغة المشقة، وهي لحظة المخاض والولادة؛ فجاءها التوجيه الإلهي بالأكل والشرب، إلى جانب المواساة والتطمين.

الرطب: مصدر للطاقة والعناصر الغذائية

يحتوي الرطب على السكريات الطبيعية، ومنها الجلوكوز والفركتوز، كما يمد الجسم ببعض الألياف والمعادن والفيتامينات. ويمكن لهذه السكريات أن تسهم في توفير الطاقة للجسم، وهو ما يوضح القيمة الغذائية للرطب.

ومع ذلك، فإن القول بأن الرطب وحده يمنع نزيف ما بعد الولادة أو يضمن تسهيل المخاض يحتاج إلى أدلة طبية مستقلة، ولا يصح اعتباره نتيجة علمية مؤكدة لمجرد وروده في الآية.

الماء: ضرورة لاستمرار وظائف الجسم

للماء دور أساسي في الحفاظ على توازن السوائل، وتنظيم درجة حرارة الجسم، ودعم الدورة الدموية والعمليات الحيوية المختلفة. وتزداد أهمية تعويض السوائل عندما يفقد الجسم جزءًا منها أو يتعرض لمجهود بدني.

ومن هنا يمكن التأمل في اجتماع الطعام والشراب في هذا الموقف، باعتباره صورة من صور العناية باحتياجات الإنسان الجسدية، إلى جانب العناية بحالته النفسية.

ثالثًا: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾.. دلالات الترتيب القرآني

من المواضع الجديرة بالتأمل في الآيات تقديم الأمر بالأكل على الأمر بالشرب، في قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾.

ويفتح هذا الترتيب بابًا للتدبر في كيفية اجتماع الغذاء والشراب والطمأنينة في خطاب واحد، يخاطب احتياجات الإنسان المادية والنفسية معًا.

لكن لا ينبغي الجزم بأن تقديم الأكل على الشرب سببه أن الرطب يستدعي الماء لهضمه، أو أن حاجة النفساء إلى الطاقة تسبق حاجتها إلى الماء في كل الأحوال؛ فهذه تعليلات تحتاج إلى دليل مستقل، ولا يحدد النص القرآني سببًا طبيًا بعينه لهذا الترتيب.

وتبقى الدلالة الواضحة في سياق الآيات هي اجتماع التوجيه إلى الغذاء والشراب مع الأمر بالسكينة وراحة النفس، في مشهد يفيض بالرحمة والتطمين.

الخلاصة: ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾.. حين تجتمع الرعاية الجسدية والطمأنينة النفسية

تقدم لنا قصة مريم عليها السلام مشهدًا مؤثرًا من مشاهد الرحمة الإلهية؛ فبعد الألم والوحدة والخوف، جاءها التطمين، وأُرشدت إلى أسباب الغذاء والشراب، ثم خُتم التوجيه بقوله تعالى: ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾.

إنها دعوة إلى التأمل في تكامل معاني الرعاية في الخطاب القرآني: مواساة للقلب، وتوجيه إلى ما يسد حاجة الجسد، ثم دعوة إلى السكينة والطمأنينة.

وهكذا لا يقف المشهد عند الطعام والشراب فحسب، بل يمتد إلى معنى أعمق؛ وهو أن الإنسان في لحظات ضعفه يحتاج إلى الرعاية والرحمة والأمان، وأن القرآن الكريم يلفت الأنظار إلى هذه المعاني بأسلوب بليغ يجمع بين التوجيه والتطمين.

سبحان من جعل في كلماته مواساة للقلوب، وفي آياته مجالًا للتدبر والتأمل.

الدكتور محمد الصريدي السيدة مريم الماء والطرب الصريدي
⇧
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto