اليوم الاخباري
  • اليوم الاخباري
  • اليوم الاخباري
  • قنوات الصريدي

رئيس مجلس الإدارة أ عبد الباسط صابر

صاحب الامتياز د. محمد الصريدي

المدير العام أ محمود الكيلاني

المقالات

النيل بين سنن الله وحسابات الجغرافيا.. شريان الحياة في قلب الأمن القومي المصري

اليوم الاخباري

بقلم/ د محمد الصريدي

حين نتحدث عن نهر النيل، فإننا لا نتحدث عن مجرى مائي فحسب، وإنما عن شريان ارتبط عبر آلاف السنين بحياة المصريين واستقرارهم واقتصادهم وحضارتهم.

ومن المنظور الإيماني، يظل الماء في جوهره نعمة من نعم الله، كما يقول تعالى:

﴿أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ۝ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾
[الواقعة: 69-70]

أما من منظور الجغرافيا، فإن نهر النيل منظومة مائية عابرة للحدود، تتداخل فيها عوامل المناخ والأمطار والتضاريس والجريان السطحي، وتشترك في حوضه دول وشعوب، ما يجعل إدارة موارده قضية تتجاوز حدود دولة واحدة.

ومن هنا، فإن قضية مياه النيل تحتاج إلى الجمع بين الإيمان بالسنن الكونية، والعلم، والقانون الدولي، والحوار، والوعي بمصالح جميع دول حوض النيل.

النيل.. نعمة إلهية ومسؤولية بشرية

لا يملك الإنسان خلق الماء ولا تغيير قوانين الطبيعة، لكنه يملك كيفية التعامل مع الموارد التي أتاحها الله له.

ومن الخطأ اختزال قضية النيل في فكرة "من يملك الماء"، فالمياه العابرة للحدود تفرض واقعًا مختلفًا، يقوم على التعاون وتبادل المعلومات وحسن الإدارة وعدم الإضرار بالمصالح الحيوية للدول والشعوب.

وتؤكد الجغرافيا أن مياه النيل نتاج منظومة طبيعية واسعة، تتأثر بالأمطار والمناخ والتضاريس وشبكة الروافد، وفي مقدمتها النيل الأزرق والنيل الأبيض وروافدهما.

ولهذا فإن التعامل مع النهر يجب أن يقوم على فهم علمي دقيق، بعيدًا عن المبالغة أو الخطاب الانفعالي.

قصة سبأ.. درس في شكر النعمة وحسن إدارة الموارد

يقدم القرآن الكريم قصة قوم سبأ بوصفها درسًا في العلاقة بين الإنسان والنعمة.

قال تعالى:

﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾
[سبأ: 16]

والدرس الأهم هنا أن النعم ليست مجالًا للغرور، وأن الإنسان مطالب بحسن التعامل معها وشكر المنعم وعدم تحويل أسباب الحياة إلى أدوات للصراع والخصومة.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى موارد المياه باعتبارها مسؤولية مشتركة، تحتاج إلى إدارة رشيدة وتعاون يحقق مصالح الشعوب، لا إلى منطق الاحتكار أو الصدام.

مصر.. الأمن المائي قضية وطنية

بالنسبة إلى مصر، يمثل نهر النيل عنصرًا أساسيًا في الحياة والتنمية، ولذلك فإن الحفاظ على أمنها المائي قضية وطنية واستراتيجية.

وفي ملف سد النهضة الإثيوبي، تؤكد القاهرة باستمرار تمسكها بالتوصل إلى اتفاق قانوني وملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل، بما يحفظ مصالح الدول الثلاث ويمنع الإضرار بالمصالح المائية لأي طرف.

وفي الوقت نفسه، فإن مصر أعلنت مرارًا أنها لا تعارض حق الشعوب في التنمية، وإنما تتمسك بأن تتم التنمية في إطار يحفظ مصالح دول حوض النيل ويمنع الإضرار الجسيم بأي منها.

وهنا تظهر أهمية القانون والحوار والتفاوض، إلى جانب القوة المؤسسية والقدرة على إدارة الأزمات.

الوعي.. خط الدفاع الأول

وفي عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على صناعة حالة عامة خلال ساعات، لم يعد الأمن القومي مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها.

فالمواطن الذي يتحقق من المعلومة قبل نشرها، ويرفض الشائعات، ويميز بين الخبر والرأي والتحليل، يشارك بصورة مباشرة في حماية المجتمع من الاضطراب المعلوماتي.

ولذلك تكتسب الدعوات إلى تعزيز الوعي الوطني أهمية خاصة، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالأمن القومي والمياه والحدود والعلاقات الإقليمية.

فالاختلاف في الرأي حق، والنقد حق، والمطالبة بالإصلاح حق، لكن هذه الحقوق لا تتعارض مع مسؤولية الفرد في التحقق من المعلومات وعدم نشر الأخبار المضللة.

لا بديل عن العلم والوعي والحوار

إن قضية النيل أكبر من أن تُدار بالشعارات وحدها، وأعمق من أن تختزل في معركة إعلامية بين الشعوب.

فالمستقبل يحتاج إلى العلم، والدبلوماسية، والتفاوض، والقانون الدولي، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتعظيم الاستفادة من كل قطرة ماء، إلى جانب بناء وعي شعبي قادر على التعامل مع المعلومات بعقل نقدي.

ومصر، التي ارتبط وجودها بالنيل عبر آلاف السنين، تدرك أن حماية مواردها لا تكون بالانفعال، وإنما ببناء الإنسان، وتطوير مؤسسات الدولة، والاستثمار في البحث العلمي، وتنويع مصادر المياه، ورفع كفاءة استخدامها.

رسالة إلى المصريين

الأمن القومي لا تحميه القوة العسكرية وحدها، ولا المؤسسات وحدها، وإنما يساندها وعي المجتمع وتماسكه وقدرته على التمييز بين الحقيقة والشائعة.

لذلك فإن الرسالة الأهم اليوم هي:

تحقق قبل أن تنشر.. افهم قبل أن تحكم.. ناقش قبل أن تتهم.

فمصر تحتاج إلى مواطن واعٍ يعرف حقوق بلاده، ويدرك تعقيدات الإقليم، ويحترم الشعوب الأخرى، ويتمسك في الوقت نفسه بمصالح وطنه وحقوقه المشروعة.

النيل نعمة من الله، وإدارته مسؤولية البشر.

وحماية مصر ليست شعارًا، بل عمل مستمر يجمع بين العلم والوعي والقانون والدبلوماسية والتنمية.

حفظ الله مصر وشعبها، وحفظ نيلها، وجعل موارده سببًا للتنمية والسلام والتعاون بين شعوب المنطقة.

النيل نهر النيل شريان الحياة مصر الامن القومي د محمد الصريدي الصريدي
⇧
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto