اليوم الاخباري
  • اليوم الاخباري
  • اليوم الاخباري
  • قنوات الصريدي

رئيس مجلس الإدارة أ عبد الباسط صابر

صاحب الامتياز د. محمد الصريدي

المدير العام أ محمود الكيلاني

المقالات

«نبيع العقار ولا نبيع السيادة».. كيف يمكن لمصر أن تصدّر العقار وتستورد الدولار؟

اليوم الاخباري

بقلم: الدكتور محمد الصريدي

في خضم النقاشات المتزايدة حول الاقتصاد المصري، وسبل توفير العملة الأجنبية، وإدارة أعباء الدين، يبرز مفهوم «تصدير العقار» باعتباره أحد الأدوات الاستثمارية التي يمكن أن تسهم في جذب تدفقات نقدية من الخارج، وتحويل القطاع العقاري من مجرد سوق محلية إلى أحد روافد الاقتصاد القومي.

لكن قبل الدخول في تفاصيل هذا الملف، هناك ضرورة ملحة للفصل بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: الملكية العقارية من ناحية، والسيادة الوطنية من ناحية أخرى.

فهذا الفصل ليس مجرد تفصيل قانوني، وإنما هو أساس ضروري لفهم طبيعة الاستثمار العقاري الأجنبي، بعيدًا عن المخاوف أو التفسيرات التي تخلط بين انتقال حقوق الملكية في أصل عقاري وبين انتقال السيادة على الأرض أو الإقليم.

«تصدير العقار».. لماذا لا يغادر العقار مكانه؟

مصطلح «تصدير العقار» هو في الأساس تعبير اقتصادي وتسويقي عن جذب أموال واستثمارات من خارج الدولة مقابل بيع أو تسويق وحدات عقارية.

فالعقار بطبيعته ليس سلعة تُحمل على سفينة أو طائرة لتعبر الحدود، وإنما يبقى في موقعه الجغرافي.

عندما يشتري مستثمر أجنبي وحدة سكنية أو تجارية أو فندقية في مصر، فإن ما ينتقل إليه هو حق قانوني في العقار وفقًا للقواعد المنظمة للتملك والاستثمار في الدولة، بينما يظل العقار نفسه قائمًا على الأرض المصرية، وتظل جميع التصرفات المتعلقة به خاضعة للقوانين واللوائح والجهات المختصة داخل الدولة.

وهنا تكمن الفكرة الأساسية:

الأموال تأتي من الخارج.. أما العقار فيبقى في مكانه.

وبالتالي، فإن «تصدير العقار» لا يعني تصدير الأرض أو نقلها من موقعها، وإنما يعني تصدير منتج استثماري محلي إلى مستثمر خارجي مقابل تدفق نقدي بالعملة الأجنبية.

بين الأصل السيادي والمنتج الاستثماري

من أكثر النقاط التي تحتاج إلى توضيح في هذا النقاش التمييز بين الأصول ذات الطبيعة السيادية والاستراتيجية وبين المنتجات العقارية التي تدخل في النشاط التجاري والاستثماري.

فقناة السويس، على سبيل المثال، لها طبيعة استراتيجية ترتبط بالأمن القومي المصري ومكانة الدولة وسيادتها على إقليمها ومرافقها الحيوية.

أما الشقة أو الفيلا أو الوحدة التجارية أو الفندق، فهي أصول عقارية يمكن أن تدخل في عمليات البيع والاستثمار والتداول وفقًا للقوانين المنظمة.

والخلط بين الحالتين يؤدي إلى نتيجة غير صحيحة؛ إذ لا يمكن قياس الاستثمار العقاري الخاص بالمعايير نفسها التي تُقاس بها المرافق الاستراتيجية للدولة.

لذلك، فإن أي نقاش جاد حول الاستثمار العقاري للأجانب يجب أن يبدأ من سؤال واضح:

ما الذي تسمح القوانين بامتلاكه؟ وما القيود والضوابط المفروضة على هذا التملك؟

وهذا هو الطريق الصحيح بدلًا من إطلاق تعميمات تساوي بين الاستثمار العقاري وبين التنازل عن السيادة.

العالم سبقنا إلى الفكرة

الاستثمار العقاري الأجنبي ليس تجربة مصرية منفردة، بل نموذج تتبعه العديد من الاقتصادات حول العالم، بدرجات مختلفة من الانفتاح والضوابط.

وتقدم دبي نموذجًا بارزًا في استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية إلى القطاع العقاري، حيث تحول العقار إلى إحدى الأدوات المهمة في جذب المستثمرين والأموال من مختلف دول العالم.

وفي أوروبا، أصبحت العقارات في مدن كبرى مثل لندن وباريس ومدريد وجهات معروفة للمستثمرين الدوليين، مع وجود أطر قانونية وتنظيمية تختلف من دولة إلى أخرى.

والدرس الأهم من هذه التجارب ليس مجرد السماح للأجانب بالاستثمار، وإنما كيفية بناء منظومة قانونية توازن بين جذب رأس المال الأجنبي وحماية المصالح الوطنية.

وهذا تحديدًا هو التحدي أمام مصر.

الدولار وحده لا يكفي

إذا أردنا أن يصبح «تصدير العقار» أحد روافد الاقتصاد المصري، فلا ينبغي أن ينحصر التفكير في دخول الدولار فقط.

القيمة الحقيقية تظهر عندما يؤدي الاستثمار العقاري الأجنبي إلى تحريك سلسلة كاملة من الأنشطة الاقتصادية:

المطور العقاري، وشركات المقاولات، والمهندسون، والعمال، ومصانع الأسمنت والحديد والأخشاب، وشركات التشطيبات، والنقل، والخدمات الفندقية، والتسويق، والبنوك، والتأمين.

أي أن كل وحدة يتم تسويقها لمستثمر خارجي يمكن أن تكون جزءًا من دورة اقتصادية أكبر إذا أُدير القطاع بطريقة صحيحة.

ومن هنا، فإن «تصدير العقار» يجب أن يُنظر إليه باعتباره منظومة اقتصادية متكاملة لجذب الاستثمار الأجنبي، وليس مجرد حملة لبيع الوحدات.

حماية الأرض تبدأ من التشريع

وفي المقابل، فإن تشجيع الاستثمار لا يعني فتح الباب بلا ضوابط.

بل إن نجاح التجربة يتطلب تشريعات واضحة، وإجراءات تسجيل دقيقة، وشفافية في الملكية، وضوابط تتعلق بالمناطق ذات الطبيعة الخاصة، وآليات واضحة لحماية الأمن القومي والمصلحة العامة.

فالاستثمار الناجح لا يحتاج إلى غموض، وإنما يحتاج إلى قانون واضح يعرف المستثمر من خلاله ما له وما عليه، وتعرف الدولة من خلاله كيف تحمي مصالحها.

وهنا تأتي أهمية الفصل بين «جذب الاستثمار» و«التنازل عن السيادة».

فالدولة التي تستقطب رأس المال الأجنبي لا تتنازل بالضرورة عن سيادتها، وإنما تستخدم أدوات الاقتصاد والقانون لجذب الأموال والخبرات مع الحفاظ على إطارها السيادي والتنظيمي.

تدوير الدين.. عندما يبقى الأصل داخل الدولة

وفي سياق النقاش حول الدين، ظهرت كذلك أفكار تتعلق بإعادة ترتيب بعض الالتزامات المالية من خلال نقل ملكية أصول بين جهات ومؤسسات تابعة للدولة أو مرتبطة بها، بهدف معالجة جانب من المديونية المحلية.

وهنا أيضًا يجب الحذر من الخلط بين إعادة هيكلة أو تدوير أصل داخل القطاع العام وبين بيع أصل سيادي لطرف أجنبي.

فإذا انتقلت ملكية أصل من جهة حكومية إلى جهة حكومية أخرى ضمن إطار قانوني ومالي محدد، فإن السؤال الأساسي يصبح: ما طبيعة العملية؟ وما آثارها على الموازنة والدين العام؟ ومن المستفيد النهائي؟ وما الضمانات والحوكمة المصاحبة لها؟

أما اختزال هذه العمليات في فكرة «بيع أصول الدولة للأجانب» دون التحقق من طبيعتها القانونية والمالية، فهو تبسيط شديد لملف اقتصادي بالغ التعقيد.

مصر أمام فرصة.. ولكن بشروط

أعتقد أن مصر تمتلك فرصة حقيقية لتطوير مفهوم «تصدير العقار» وتحويله إلى مصدر مستدام للعملة الأجنبية، خصوصًا مع امتلاكها سوقًا عقارية كبيرة، وموقعًا جغرافيًا متميزًا، ومدنًا جديدة، ومقومات سياحية واستثمارية متنوعة.

لكن نجاح هذه الفرصة لن يتحقق بمجرد زيادة المعروض العقاري أو إطلاق الحملات التسويقية.

نحن بحاجة إلى منتج عقاري منافس، وأسعار مدروسة، وخدمات جيدة، وإجراءات تسجيل واضحة، وحماية قانونية للمستثمر، وتسويق عالمي محترف، والأهم من ذلك كله: ربط الاستثمار العقاري بالاقتصاد الحقيقي.

فالهدف ليس بيع أكبر عدد ممكن من الوحدات، وإنما جذب استثمارات حقيقية طويلة الأجل تسهم في زيادة الإنتاج والتشغيل والنمو.

السيادة لا تتعارض مع الاستثمار

إن الدفاع عن السيادة الوطنية لا يعني إغلاق أبواب الاستثمار أمام العالم.

والانفتاح على الاستثمار الأجنبي لا يعني التفريط في السيادة.

المعادلة الصحيحة هي أن تكون هناك دولة قوية بقوانينها، واضحة في ضوابطها، قادرة على جذب رأس المال، وفي الوقت نفسه قادرة على حماية مصالحها الاستراتيجية.

وهذا هو جوهر الفكرة التي يجب أن تحكم النقاش حول «تصدير العقار».

نحن لا نصدر الأرض.

نحن لا ننقل العقار من موقعه.

نحن لا نبيع السيادة.

نحن نسعى إلى جذب المال والاستثمار إلى أصل موجود على أرض مصر، ضمن إطار قانوني مصري، وبما يخدم الاقتصاد الوطني.

وفي النهاية، فإن المعركة الاقتصادية الحقيقية ليست بين «الاستثمار» و«السيادة»، وإنما بين إدارة رشيدة للأصول واستثمارها بكفاءة، وبين إدارة غير فعالة قد تحول الأصول من فرصة للنمو إلى عبء اقتصادي.

مصر تمتلك الكثير من المقومات

والتحدي الحقيقي هو أن نحول هذه المقومات إلى قيمة اقتصادية مستدامة، وأن نستفيد من كل فرصة لجذب العملة الأجنبية، دون أن نتخلى عن حق الدولة في تنظيم اقتصادها وحماية مصالحها الوطنية.

تصدير العقار يمكن أن يكون بابًا للعملة الصعبة.. لكن السيادة تظل شأنًا آخر تمامًا.

والفصل بين الاثنين ليس ترفًا فكريًا، بل هو نقطة البداية لأي نقاش اقتصادي وتشريعي مسؤول.

الدولار قناة السويس الاستثمار الصريدي
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto