اليوم الاخباري
  • اليوم الاخباري
  • اليوم الاخباري
  • قنوات الصريدي

رئيس مجلس الإدارة أ عبد الباسط صابر

صاحب الامتياز د. محمد الصريدي

المدير العام أ محمود الكيلاني

المقالات

ميثاقٌ غليظٌ تهدمُه ”فلتاتُ اللسان”.. آن الأوانُ لإنهاءِ فوضى الطلاق الشفهي!

د محمد الصريدي
د محمد الصريدي

هل يمكن لمجتمعٍ أن يستقيم بنيانه وتأمن أجياله وهو يترك مصير أقدس عقوده الاجتماعيّة والدينيّة رهناً بلحظة غضبٍ عابرة أو كلمة طائرة تخرج من غرف مغلقة؟ كيف يستقيم في العقل وفي الشرف والدين، أن يُبنى الزواج على العلن والإشهاد والوثائق الرسميّة وسط جماعة من المسلمين وأهل العروسين، ثم يُترك هدم هذا "الميثاق الغليظ" لمعادلة عشوائية يتفرد بها الرجل وحده خلف الأبواب الموصدة، لتنقلب البيوت بعد ساعة إلى واجهات مزيفة تعيش فيها زوجات "مُعلقات ديانةً" وأزواج مطلقون، وينتج عنها مجتمع مهدد في أنسابه واستقراره؟
إن ما نراه اليوم من إصرار بعض الدوائر الفقهية والعمائم على التمسك بحجية "الطلاق الشفهي المنفرد" والتعامل معه كحقيقة شرعية مطلقة لا تقبل التقييد، هو قمة الجمود الأصولي وأسر لمدرسة "الألفاظ الجافة" التي تعمى عن مقاصد الشريعة الإسلامية وروحها النابضة بحفظ النسل والمجتمع.


التناقض الكبير: إجازة "التفويض" وعجز "التقييد"!


يقع الفقه الموروث اليوم في تناقض صارخ يثير العجب؛ فبينما تُجيز المذاهب الفقهية (كالحنفية والحنابلة) أن يتنازل الرجل عن حق الطلاق بالكامل لزوجته في عقد النكاح بأن يجعل "العصمة بيدها" لتطلق نفسها متى شاءت، يعجز هذا الفقه نفسه عن وضع مخرج لتقييد "مكان وزمان" تلفظ الرجل بهذا الحق! كيف نملك صلاحية نقل الحق كاملاً للزوجة، ولا نملك صلاحية تنظيمه وحجره إجرائياً حمايةً للمصلحة العامة ولطهارة الأعراض؟
إن الشريعة وضعت القواعد الحاكمة لحماية الفروج، فقيدت الدخول والزواج باشتراط الولي وشاهدي عدل وإعلان، لقول النبي ﷺ: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ". ومن باب أولى، وأعظم خطراً، ألا يُسمح بالخروج وهدم البيوت وتشريد الأطفال إلا بنفس الطريقة الرسمية والمعلنة؛ فما لا يتم إلا به من علن وإشهاد، وجب ألا يزول إلا به.


المجددون المعاصرون وفك "الكباس الأصولي"


إن دعوة تقييد الطلاق وحصر وقوعه في مجلس المأذون أو القاضي ليست بدعة مستحدثة، بل هي إحياء لمشروع مصلحين ومجددين كبار. فها هو محدّث الديار المصرية وقاضي قضاتها الشيخ أحمد محمد شاكر يُفجر القضية في كتابه التاريخي "نظام الطلاق في الإسلام"، مؤصلاً بأن الله تعالى حين قال في سورة الطلاق: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ}، جعل الإشهاد شرطاً لصحة وقوع الطلاق لا يستقيم الفراق بدونه، تماماً كشهود النكاح. وسار على هذا النهج المقاصدي شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت والدكتور محمد مصطفى شلبي.


وحين يتذرع الرافضون بمحذور ديني خطير يصفونه بأنه "وقوع في الزنا المقنن"، زاعمين أن الرجل لو طلق في بيته شفهياً ثلاثاً وعاشر زوجته لصار زنا لا يرفعه ورق المأذون، تتدخل "المدرسة المقاصدية" الرصينة لتفكيك هذا الوهم. فالطلاق ليس لفظاً عبثياً تملكه شهوة الغضب، بل هو تصرف شرعي يملك الشارع الحكيم تحديد آلية نفاذه. فإذا اشترط المشرّع أو اشترطت الزوجة في عقدها ألا ينفذ اللفظ إلا بالتوثيق، يصبح اللفظ الشفهي المنفرد "لغواً وعدماً" لا تنحل به العقدة أصلاً. وبما أن العقدة لم تنحل بقوة القانون والشرط، فإن الزوجية تظل قائمة بيقين، واليقين لا يزول بالشك، وبقاء النكاح هو أعظم شبهة تدرأ حد الزنا استناداً للقاعدة الفقهية: "الحدود تدرأ بالشبهات".


التجربة المغاربية.. نموذج لـ "فقه بناء المجتمع"


هذا ليس كلاماً في الهواء، بل هو واقع حي أثبت نجاحه في دول المغرب العربي (كتونس والمغرب)، حيث حسمت القوانين المسألة ونصت على أنه "لا طلاق إلا بحكم قضائي وبإذن من المحكمة أمام العدلين". فارتفع حجاب الجهل والتلاعب بالألفاظ، وأُجبر الرجال على احترام ميثاقهم الغليظ، واختفت فوضى "الزوجات المعلقات" وتلاشى خطر المواليد بلا نسب، وتحققت مقاصد الإمامين الشاطبي وابن عاشور في حفظ استقرار الأمة وسد أبواب الفساد والدمار. الشيخ أحمد محمد شاكر (محدّث الديار المصرية وقاضي القضاة):


• يُعد من أوائل وأشجع من فجروا هذه القضية في كتابه الشهير "نظام الطلاق في الإسلام".
• أفتى صراحةً بأن الطلاق الشفهي خارج مجلس القضاء أو دون إشهاد هو طلاق باطل ولا يقع، واستدل بقوة بأن الله تعالى عندما قال في سورة الطلاق: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ}، جعل الإشهاد شرط صحة وجزءاً من ماهية الطلاق؛ فكما لا يصح النكاح إلا بشهود، لا يصح الفراق إلا بشهود.


1. الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت (شيخ الأزهر الأسبق):
• نادى بضرورة تقييد الطلاق وأكد أن الشريعة الإسلامية لا يمكن أن ترضى بالفوضى التي تحدث في البيوت بسبب فلتات اللسان.
• رأى أن الإشهاد والتوثيق هما الضمان الشرعي لحفظ ميثاق الزوجية الغليظ.


2. الدكتور محمد مصطفى شلبي (استاذ الشريعة الكبير):
• أصدر دراسات فقهية معمقة أثبت فيها أن القول باشتراط الإشهاد والتوثيق لوقوع الطلاق هو قول فقهي معتبر وله سلف من الصحابة والتابعين (مثل علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعطاء، وابن جريج).


3. الشيخ جاد الحق علي جاد الحق (شيخ الأزهر ومفتي مصر الأسبق):
• رغم ميله للمدرسة التقليدية في بعض الجوانب، إلا أنه أكد قانوناً وفقهياً أن لولي الأمر (المشرّع) كامل الحق في تقييد المباح وحظر الطلاق الشفهي إذا تبين أن ترك الحبل على الغارب للرجال يؤدي إلى مفاسد تهدم المجتمع وتضيع الأطفال.


4. الدكتور أحمد الطيب (الإمام الأكبر الحالي في طرحه التمهيدي):
• من الجدير بالذكر أن الإمام أحمد الطيب نفسه صرح علناً في عدة مجالس ومؤتمرات بأنه يؤيد شخصياً تقييد الطلاق الشفهي تشريعياً لحماية الأسرة، وأن المشكلة تكمن في صياغة مخرج أصولي توافق عليه "هيئة كبار العلماء" بالإجماع، مما يعني أن منطقك يجد صدى حتى داخل أروقة الأزهر لولا كوابح التصويت الجماعي.


الخلاصة.. صرخة للاستقامة والوعي
يا علماء الأمة وفقهاءها، يا مولانا شيخ الأزهر الأكرم: إن الاستناد لبعض التفسيرات الظاهرية لتبرير بقاء الطلاق الشفهي المنفرد أصبح في عصرنا الحالي معولاً لتدمير البيوت، وطريقاً للهرج والفسوق والدمار الأسري.


إن المخرج التشريعي بين أيدينا: صياغة مادة قانونية واضحة تعتبر الطلاق الشفهي خارج مجلس التوثيق لغواً كأن لم يكن، لقد آن الأوان لتستقيم التشريعات مع روح الإسلام ومقاصده العليا، ولنستفيق جميعاً لحماية العِرض والشرف والأجيال القادمة.. ألا أفيقوا رحمكم الله، واستقيموا يرحمكم الله.

الطلاق الشفهي الميثاق الغليظ الصريدي
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto