ذاكرة المصريين لا تُمحى.. وعود الماضي تعود إلى الواجهة تحت شعارات المستقبل!
بقلم: المستشار الدكتور محمد الصريدي
رئيس مجلس إدارة شركة المرجان إيجيبت للتطوير العقاري، وجريدة اليوم الإخباري، وقناة كنوز الفضائية، ومستشار الصحة النفسية والاجتماعية والثقافية.
في مشهد يعيد إلى الأذهان صفحات من التاريخ السياسي المصري، عادت بعض الوجوه والشخصيات التي ارتبطت بمرحلة ما قبل ثورة يناير 2011 إلى دائرة الضوء، من خلال حملات ترويجية وصفحات ممولة على منصات التواصل الاجتماعي، تتداول مقاطع ومنشورات من بودكاست «فاصلة ومنقوطة» للدكتور حسام بدراوي، تتضمن رؤى ووعودًا تتعلق بمستقبل الصحة والتعليم وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وبعيدًا عن بريق الشعارات وجاذبية الوعود، يظل السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بقوة: أين كانت هذه الرؤى طوال السنوات التي امتلكت فيها تلك الشخصيات مواقع التأثير وصناعة القرار؟
إن استدعاء الماضي ليس غرضه تصفية الحسابات مع الأشخاص، وإنما وضع الأفكار والمواقف أمام اختبار التاريخ. فالدكتور حسام بدراوي ارتبط اسمه بتجربة الحزب الوطني المنحل، وكان من الشخصيات التي عملت داخل أروقته ولجنة السياسات خلال حقبة سياسية امتدت لسنوات طويلة، قبل أن تطوي ثورة يناير 2011 صفحة ذلك النظام.
ومن هنا تبرز ضرورة مناقشة أي طرح سياسي جديد في ضوء السجل السابق لأصحابه، وليس الاكتفاء بالشعارات أو الوعود التي قد تبدو جذابة على منصات التواصل الاجتماعي.
فالمواطن المصري الذي عايش تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية متلاحقة، أصبح أكثر اهتمامًا بمراجعة التجارب السابقة، ومقارنة الأقوال بالأفعال، والبحث عن إجابات واضحة بشأن المسؤوليات والنتائج.
التاريخ لا يُقرأ بالذاكرة الانتقائية، ولا تُمحى صفحاته بحملات الترويج.
لقد شهدت مصر محطات سياسية ودستورية فارقة في أعوام 2011 و2013 و2014 و2019، عكست حجم التحولات التي مرت بها الدولة والمجتمع. وتبقى المصلحة الوطنية، وسيادة الدولة، وحماية مؤسساتها، وتحقيق تطلعات المواطنين، من القضايا التي تستحق نقاشًا جادًا ومسؤولًا.
كما أن الحديث عن المستقبل لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد منافسة في إطلاق الوعود؛ فالتعليم الجيد يحتاج إلى خطط قابلة للتنفيذ، والرعاية الصحية تتطلب موارد وإدارة فعالة، وتحسين مستوى المعيشة يستلزم سياسات اقتصادية واضحة، ومؤشرات يمكن للمواطن أن يقيس من خلالها حجم الإنجاز.
ومن حق المصريين أن يسألوا كل من يتحدث عن الإصلاح والتغيير: ما الذي قدمتموه في الماضي؟ وما الذي تغير في رؤيتكم اليوم؟ وما الضمانات التي تجعل الوعود الجديدة قابلة للتحقيق؟
وفي المقابل، فإن تقييم المرحلة الحالية يجب أن يقوم أيضًا على مناقشة موضوعية لما تحقق من مشروعات وإنجازات، وما واجهته الدولة من تحديات اقتصادية، وما يتحمله المواطن من أعباء، بعيدًا عن المبالغة في الإشادة أو الإنكار المطلق.
فالوعي الحقيقي لا يعني رفض كل جديد، ولا التسليم بكل ما يُطرح، وإنما يعني امتلاك القدرة على التمييز والمراجعة والمحاسبة.
إن مصر أكبر من الأشخاص، وتاريخها أكبر من أي حزب أو تيار سياسي، ومستقبلها لا ينبغي أن يكون رهينة الشعارات أو المصالح الضيقة. ومن حق الأجيال الجديدة أن تتعرف على تجارب الماضي بكل ما لها وما عليها، حتى لا تتحول الذاكرة الوطنية إلى صفحات منسية يسهل إعادة كتابتها وفقًا لمصالح اللحظة.
رسالة إعلامية وطنية: الوعي خط الدفاع الأول عن مصر
في ضوء تأكيدات الرئيس عبد الفتاح السيسي المتكررة على أهمية وعي المواطنين باعتباره أحد عناصر حماية الأمن القومي المصري، تبرز مسؤولية الإعلام في تقديم المعلومات، ومواجهة الشائعات، وفتح المجال للنقاش المسؤول، وتعزيز قدرة المواطن على التمييز بين الحقيقة والدعاية.
إن دور الإعلام الوطني لا يقتصر على نقل الأحداث، بل يمتد إلى تفسيرها، ووضعها في سياقها الصحيح، وإتاحة الفرصة أمام الرأي والرأي الآخر، مع الالتزام بالدقة والمصداقية واحترام عقل المواطن.
فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، وإنما تحميها أيضًا مؤسسات قوية، واقتصاد قادر على الصمود، ومجتمع متماسك، ومواطن يمتلك وعيًا حقيقيًا بحقوقه وواجباته.
هناك كلمات لا تُقال لتُسمع فقط، بل لتدفعنا إلى التفكير والمراجعة.
يا أبناء مصر، إن الوعي مسؤولية مشتركة، والاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى صراع، والتاريخ ليس عبئًا نهرب منه، بل تجربة نتعلم منها ونبني على دروسها مستقبلًا أكثر استقرارًا وازدهارًا.
المستشار الدكتور محمد الصريدي




























