بوابات جامعة قناة السويس.. حين يصبح أمن الطلاب مسؤولية وطنية
بقلم/ د. محمد الصريدي
ليست أسوار جامعة قناة السويس بالإسماعيلية مجرد بوابات خرسانية تفصل الحرم الجامعي عن محيطه، وإنما هي حدود لمؤسسة تنويرية تحتضن آلاف الشباب، وتشارك الأسرة والدولة في بناء وعيهم وصياغة مستقبلهم.
ومن هنا، فإن أي مشاحنات أو سلوكيات عنيفة تنتقل من الشارع إلى محيط الجامعة، وتتحول إلى تجمعات عدائية أو أعمال بلطجة وعنف أمام بواباتها، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مشاجرات عابرة؛ لأنها تمس بصورة مباشرة أمن الطلاب، وتضع المجتمع أمام مسؤولية حقيقية في حماية أبنائه والحفاظ على قدسية المؤسسات التعليمية.
فالجامعة ليست ساحة للصراعات، ولا ينبغي أن تتحول بواباتها إلى نقطة تجمع للمشاجرات أو استعراض القوة، خصوصًا أن هذه المرحلة العمرية تتطلب قدرًا كبيرًا من الاحتواء والتوجيه، بالتوازي مع الحزم في مواجهة كل من يتجاوز القانون.
ومن القواعد الأصولية الراسخة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، وإذا كان أمن أبنائنا وسلامتهم واجبًا وطنيًا، فإن توفير البيئة الآمنة حول المؤسسات التعليمية يصبح مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل أدوار أجهزة الدولة والأسرة والمجتمع.
الأمن أولًا.. والوقاية قبل وقوع الخطر
المطلوب ليس مجرد التعامل مع الواقعة بعد حدوثها، وإنما بناء منظومة وقائية تمنع تكرارها، من خلال عدد من الإجراءات المتكاملة:
أولًا: تعزيز الوجود الأمني حول بوابات الجامعة
وجود الدوريات الأمنية الثابتة والمتحركة في أوقات الذروة، مع تنظيم حركة المرور والتجمعات بمحيط الجامعة، يمثل عاملًا مهمًا في منع أي محاولات للخروج عن القانون، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن محيط المؤسسات التعليمية ليس مكانًا للفوضى أو استعراض القوة.
ثانيًا: تطبيق القانون بحسم وعدالة
كل من يثبت تورطه في أعمال عنف أو تهديد للطلاب أو حيازة أدوات تستخدم في الاعتداء يجب أن يخضع للإجراءات القانونية المقررة، دون تهويل أو تهاون.
فهيبة الدولة لا تعني القسوة، وإنما تعني أن القانون فوق الجميع، وأن حماية المواطنين والطلاب مسؤولية لا تقبل التجاوز أو التساهل.
ثالثًا: بناء منظومة للوعي والاحتواء
الأمن وحده لا يكفي. فمواجهة السلوكيات الخطرة تبدأ أيضًا من الوعي.
وهنا يأتي دور الجامعة والأسرة والمؤسسات الدينية والمجتمعية، من خلال برامج للتوعية النفسية والتربوية، ومساحات آمنة للتعبير عن مشكلات الشباب، وآليات للتدخل المبكر قبل أن تتحول الخلافات الصغيرة إلى جرائم أو صدامات.
كما أن التواصل مع الأسر، خاصة في الحالات التي تظهر فيها مؤشرات سلوكية مقلقة، يمكن أن يكون وسيلة مهمة للوقاية، شريطة أن يتم ذلك في إطار قانوني وتربوي يحفظ كرامة الجميع.
الإسماعيلية تستحق جامعة آمنة
الإسماعيلية التي عُرفت بتاريخها الوطني العريق، وبوعي أبنائها وانتمائهم، تستحق أن تكون جامعتها نموذجًا للأمن والانضباط والوعي.
وحماية طلاب جامعة قناة السويس ليست مسؤولية إدارة الجامعة وحدها، ولا الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما مسؤولية مجتمع كامل؛ لأن هؤلاء الشباب هم أطباء ومهندسو ومعلّمو وقادة المستقبل.
ولا يمكن أن نتحدث عن بناء الإنسان، أو الجمهورية الجديدة، أو الاستثمار في الشباب، بينما نسمح بأن تتحول بوابات المؤسسات التعليمية إلى ساحات للفوضى أو العنف.
إن فرض القانون، وحماية الطلاب، وتعزيز الوعي، والتدخل المبكر، والتعاون بين الأسرة والجامعة وأجهزة الدولة، ليست إجراءات منفصلة، وإنما حلقات متكاملة في منظومة واحدة عنوانها: حماية الإنسان وبناء المستقبل.
الوعي.. خط الدفاع الأول عن الوطن
وفي هذا السياق، تظل الرسالة الأهم أن أمن الأوطان لا تحميه الإجراءات الأمنية وحدها، وإنما يحميه أيضًا وعي المواطنين.
فالمجتمع الواعي هو القادر على التمييز بين الخلاف الطبيعي والفوضى، وبين التعبير عن الرأي والتعدي على الآخرين، وبين الحرية والمسؤولية.
وهنا يأتي دور الإعلام الوطني المسؤول؛ ليس في تضخيم الأحداث أو صناعة حالة من الخوف، وإنما في كشف الخلل، وطرح الحلول، ودعم مؤسسات الدولة، والدفاع عن حق المواطن في الأمن، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المهنية والموضوعية.
هناك كلمات لا تُقال لتُسمع فقط، وإنما تُقال لتوقظ الوعي.
يا أبناء مصر..
الأوطان لا يحميها السلاح وحده، وإنما يحميها وعي أبنائها، واحترامهم للقانون، وحرصهم على مستقبل بلدهم.
فلنحافظ على جامعاتنا آمنة، وعلى شبابنا واعيًا، وعلى دولة القانون حاضرة وقوية.
مصر تستحق أن نقف معها دائمًا.. وشبابها يستحقون أن نؤمّن لهم الطريق نحو المستقبل.
حفظ الله مصر وشعبها وشبابها، ووفق كل من يعمل من أجل أمنها واستقرارها وبناء مستقبل أبنائها.




























