اليوم الاخباري
  • اليوم الاخباري
  • اليوم الاخباري
  • قنوات الصريدي

رئيس مجلس الإدارة أ عبد الباسط صابر

صاحب الامتياز د. محمد الصريدي

المدير العام أ محمود الكيلاني

المقالات

حين يُقتل الأب على يد ابنه.. هل ندق ناقوس الخطر على الأسرة المصرية؟

اليوم الاخباري

بقلم/ د. محمد الصريدي

في كل مرة تطالعنا فيها جريمة داخل أحد البيوت، نشعر أن شيئًا عميقًا يتآكل في جدار الأسرة المصرية. لكن بعض الجرائم لا تكتفي بصدمة تفاصيلها، وإنما تضعنا أمام سؤال أكبر: كيف يمكن أن يصل الخلاف داخل الأسرة إلى إهدار حياة أحد الوالدين على يد ابنه؟

الجريمة الأخيرة التي شهدتها منطقة سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ، والمتعلقة بمقتل أب مسن يبلغ من العمر 76 عامًا والعثور على جثمانه داخل مزرعة أسماك، وفق ما تداولته التقارير عن الواقعة، تمثل صدمة إنسانية ومجتمعية تستحق التوقف أمامها، ليس فقط بحثًا عن الجاني والعقوبة، وإنما بحثًا عن الأسباب التي تجعل بعض الروابط الأسرية تصل إلى هذه الدرجة الخطيرة من التفكك.

أن يختلف الابن مع أبيه أمر قد يحدث داخل أي أسرة، وأن تتباين الآراء والمصالح أمر طبيعي، لكن أن يتحول الخلاف إلى عنف، ثم إلى جريمة قتل، فهنا نكون أمام خلل يتجاوز حدود الخلاف العابر إلى أزمة في منظومة القيم والردع والتربية والعلاقات الأسرية.

عندما يفقد البيت دوره في صناعة الأمان

الأسرة ليست مجرد مسكن يجمع أشخاصًا تربطهم صلة دم، وإنما هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الرحمة، والاحترام، وضبط الغضب، وتحمل المسؤولية، وبر الوالدين.

وحين تتراجع هذه القيم، لأي سبب كان، يصبح المجتمع أمام مشكلة أكبر من مجرد حادث جنائي منفرد.

وهنا يجب أن نكون أكثر حذرًا في قراءة الظاهرة؛ فالجريمة لا يمكن اختزالها في سبب واحد، ولا يجوز تحميل الطلاق أو التفكك الأسري وحده مسؤولية جرائم القتل. فهناك عوامل نفسية واقتصادية واجتماعية وتربوية وقانونية، فضلًا عن ظروف كل واقعة وملابساتها، وكلها تحتاج إلى بحث علمي حقيقي قبل إصدار الأحكام.

لكن ذلك لا يمنعنا من طرح سؤال مشروع ومهم:

هل تحتاج الأسرة المصرية إلى مزيد من الحماية القانونية والتنظيمية قبل أن تتفاقم آثار النزاعات الأسرية؟

الطلاق.. حين تتحول الإجراءات إلى قضية مجتمع

من القضايا التي تستحق نقاشًا هادئًا ومسؤولًا قضية توثيق الطلاق وآثاره على الزوجين والأبناء.

فالتوثيق الرسمي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إجراء إداري، وإنما باعتباره وسيلة لحفظ الحقوق، وإثبات الحالات القانونية، وحماية الأبناء من النزاعات التي قد تنشأ حول الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والنسب وسائر الآثار المترتبة على انتهاء العلاقة الزوجية.

وقد سبق أن طُرحت في مصر مناقشات عامة وتشريعية حول توثيق الطلاق الشفهي، وهو نقاش ينبغي أن يستند إلى أحكام الشريعة والقانون، وإلى دراسات اجتماعية وقانونية دقيقة، بعيدًا عن الانفعال أو استخدام أي جريمة فردية لإثبات علاقة سببية غير مؤكدة.

المطلوب ليس فقط العقوبة.. وإنما الوقاية

بعد كل جريمة أسرية مروعة، يكون السؤال الطبيعي: ما العقوبة؟

وهو سؤال مشروع، لكن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية:

كيف نمنع الجريمة قبل وقوعها؟

الوقاية تبدأ من الأسرة، ومن المدرسة، ومن الخطاب الديني والإعلامي، ومن التعامل الجاد مع العنف الأسري، ومن توفير آليات مبكرة للتدخل في النزاعات، ومن حماية كبار السن، ومن نشر ثقافة الحوار بدلًا من الانتقام.

كما أن مواجهة التفكك الأسري لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما بسياسات اجتماعية وقانونية متكاملة تحمي الزوجين والأبناء، وتمنع تحول الخلافات الأسرية إلى ساحات صراع مفتوحة.

دم الأب ليس مجرد خبر جنائي

حين يقتل ابن أباه، فنحن لا نواجه فقط جريمة قتل، وإنما نواجه انهيارًا مأساويًا في علاقة كان يفترض أن تكون من أكثر العلاقات الإنسانية أمنًا ورحمة.

ولذلك فإن قضية سيدي سالم، بعيدًا عن تفاصيل التحقيقات التي يجب أن تظل من اختصاص جهات التحقيق والقضاء، تستحق أن تكون جرس إنذار للمجتمع كله.

نحتاج إلى أن نعيد الاعتبار لمعنى الأسرة، وأن نُعلّم أبناءنا أن الخلاف لا يعني الكراهية، وأن المال لا يساوي حياة، وأن الغضب لا يمنح صاحبه الحق في الاعتداء، وأن بر الوالدين ليس مجرد قيمة دينية، بل أحد أهم أعمدة الاستقرار الاجتماعي.

فإذا كان القانون يعاقب القاتل بعد وقوع الجريمة، فإن مسؤولية المجتمع الحقيقية أن يبحث عن الأسباب التي قد تقود إلى الجريمة قبل أن تقع.

فالبيوت لا تحتاج فقط إلى قوانين تنظمها، وإنما تحتاج أيضًا إلى قيم تحميها.

وحين يصبح قتل الأب على يد ابنه خبرًا يتكرر، فلا يكفي أن نسأل: من القاتل؟
بل يجب أن نسأل أيضًا: ماذا حدث داخل الأسرة والمجتمع حتى وصلنا إلى هذه النقطة؟

قتل الاب الابن القاتل الدكتور محمد الصريدي الصريدي ⇧
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto
  • iTradeAuto